الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

العدالة الثورية

"ان القضاة يقدرون لك ياسيادة الرئيس حق التقدير انك من أعاد إلي مصر مجلس قضائها الأعلي في مستهل ولايتك وانك اضفت الي هذا الانجاز فضلا لا ينسي حسم الطبيعة القانونية للنيابة العامة كشعبة أصيلة من شعب السلطة القضائية"

سري صيام

10 يناير 2011

وقف رئيس محكمة النقض ورئيس المجلس الأعلى للقضاء السابق "سري صيام" قبل أيام قليله من قيام ثورة 25 يناير- في مبنى دار القضاء العالي الشامخ في وسط القاهرة، ليلقي وصله نفاق في حضور الرئيس المخلوع "حسني مبارك" مشيداً بموقفه الأخير من تخصيص يوم ليكون عيداً للقضاء المصري، وباستقلال القضاء والنيابة العامة!!!.

تعكس تلك الكلمات التي ألقاها رئيس محكمة النقض ورئيس المجلس الأعلى للقضاء في حينها حقيقة لا يجب تجاهلها وهي أن أجهزة العدالة الحالية كانت جزءاً لا يتجزأ من نظام مبارك وقد كان الأخير وحاشيته يستخدمهم ويوظفهم لتثبيت أركان حكمه، وتجاهلت الكلمة تضحيات القضاة العظام لاستقلال القضاء في عهد مبارك وكيف حول الأخير ونظامه جهاز النيابة العامة على سبيل المثال لموظفين في أيديهم وفى يد الأجهزة الأمنية يأتمرون بأوامرهم وينفذون مآربهم.

وهي الحقيقة التي تفسر الشكوك لدى المصريين – رغم مرور أكثر من خمسة أشهر على قيام الثورة المصرية – بتحقيق العدالة التي نبتغي الوصول لها على يد النظام القضائي الحالي، وهو ما عززه قرارات إخلاء سبيل بعض الضباط المتهمين في بعض قضايا قتل الثوار، أو إخلاء سبيل بعض رموز النظام البائد في بعض قضايا الفساد.

وسرعان ما تحولت هذه الشكوك لمطالبات من قبل البعض بالإسراع بمحاكمات النظام السابق أو حتى إحالتهم لمحاكمات عسكرية وتطبيق قانون جريمة الغدر[1]، وهي المطالبات التي يقابلها المجلس العسكري بذات أقوال مبارك بأنه لا يتدخل في أحكام القضاء وبأنه لن تتم محاكمة أي من رموز النظام السابق محاكمات استثنائية، على الرغم من أن المجلس قد أحال عشرات الآلاف من المصريين والمصريات أمام القضاء العسكري

رغم وضوح العلاقة بين النظام البائد وبين جهاز العدالة إلا أن هناك غموض في مطالبات الثوار وغياب البديل للوضع الحالي، وهو ماتحاول أن تطرحه تلك الورقة.

لا ثورة بدون عدالة تحميها

الأنظمة الجديدة لا تنجح إلا بنظام عدالة يحميها وعدالة ويؤمن للنظام الجديد بقائه، ففي مصر عندما نجح ضباط الجيش في حركتهم عام 1952 قاموا باتخاذ مجموعة من الإجراءات لحماية حركتهم وتطبيق المفهوم الخاص لعدالتهم . لقد تم تشكيل لجان لتطهير الإدارات الحكومية بموجب المرسوم رقم 130 لسنة 1952 ، و من ثم صدر المرسوم بقانون رقم 277 لسنة 1952 الخاص بالتدابير المتخذة لحماية حركة 23 يوليو سنة 1952 والنظام القائم عليها، ثم صدر المرسوم بقانون رقم 344 لسنة 1952 في شأن جريمة الغدر، و كان الهدف من هذه المراسيم هو إحداث قطيعة مع النظام الملكي الذي انقلب ضده ضباط الجيش وحماية حركتهم.

وبشكل ما ساعدت تلك الإجراءات ضباط الجيش من إحكام سيطرتهم على الأوضاع في ذلك الوقت فضباط الجيش وجدوا أنفسهم على رأس دولة ومؤسسات وأفراد غير مؤيدين للضباط ولحركتهم، وكان عليهم حتى يؤسسوا لشرعية دولتهم ( شرعية يوليو 1952 ) تطهير المؤسسات والأشخاص التي شكلت النظام السابق أولاً، ولإحداث قطيعة مع النظام الذي انقلبوا عليه ليؤسسوا نظامهم وشرعيتهم الجديدة.

كما كانت تلك الخطوات والإجراءات انعكاساً لمفهوم ضباط الجيش للعدالة، فكانت المحاكم الثورية التي شكلوها إن لم تكن عسكرية فضباط الجيش مشاركين فيها وتم تعيين الضباط أيضا كمدعيين أو رؤساء لجان تطهير، وهو ما يعكس أن ما كانت تريده حركة الجيش في 1952 لم يكن تطبيق العدالة كما نعرفها أكثر من تثبيت أركان حكمهم دونما اعتبار لحقوق الإنسان والديمقراطية، لذلك صدرت الأحكام الجائرة والمصادرات والعزل السياسي في محاكمات سياسية صادرة من نظام سياسي أكثر ما تكون صادرة من محاكم، وهى طريقة تتناسب مع طبيعة حركة ضباط الجيش وعقيدتهم وأفكارهم في ذلك الوقت.

أما ثورة 25 يناير تحتاج إلى عدد من الخطوات والإجراءات القانونية التي تحميها وتضمن لها النجاح وإحداث قطيعة مع النظام السابق لتأسس شرعية النظام الجديد، وهي الخطوات والإجراءات التي تشكل في مجملها عدالتنا الثورية التي تؤسس لشرعية نظام 25 يناير وتحميه و ترسي قواعد لنظام دولة القانون .

إلا أنه لا يمكن أن تستخدم ذات الإجراءات والتفسير الخاص للعدالة التي استخدمها ضباط الجيش وتطبق على ثورة 25 يناير وذلك لعدة أسباب أهمها، أنها ثورة تختلف عن حركة 23 يوليو 1952 فهي ثورة شعبية بالكامل بينما الثانية هي في أحسن التفسيرات حركة قام بها بعض الضباط وأيدتها قطاعات من الشعب، والسبب الثاني أن الأهداف التي قامت من أجلها حركة ضباط الجيش تختلف عن الأهداف التي قامت من أجلها ثورة 25 يناير ، فيجب أن تؤسس عدالة تلك الثورة على المبادئ التي قامت من أجلها وهي الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

المقصود بالعدالة الثورية هي العدالة القائمة على حماية ثورة 25 يناير وضمان انتقال مصر لتأسيس دولة الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وفى ذات الوقت قائمة على ضمان حقوق أذناب النظام في محاكمة عادلة ومنصفة والتي طالما غابت في ظل عدالة النظام البائد.

ولذلك فان المطالبات بتطبيق قانون الغدر أو إقامة لجان تطهير أو محاكمات عسكرية هو إجراءات تتناقض مع أهداف الثورة والتي على رأسها احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية حتى مع رموز النظام البائد.

إلا أنه في نفس الوقت فان التسليم بفاعلية نظام العدالة الحالي لحماية ثورتنا ومحاسبة رموز النظام السابق وإنصاف ضحاياه على مر عقود طويلة هو أمر غير مقبول ويتناقض أيضا مع ما قامت من أجله الثورة.

والسؤال هنا هو كيف نحاسب النظام السابق ونشيع عدالة الثورة وننصف ضحايا النظام البائد وفى ذات الوقت نحترم المحاكمة العادلة والمنصفة لرموز النظام السابق؟

لا يمكن إغفال تاريخ مصر القانوني العريق ، ولذلك فلا بد من الإشارة السريعة لنظام التجريم والعقاب المصري والياته قبل التطرق لآليات جديدة.

أنظمة قانونية/ جنائية مختلفة

يمتلك النظام العقابي المصري نظامين قانونيين الأول هو القانون الطبيعي وتحكمه القوانين العامة مثل قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية وغيرها من القوانين التي تدخل ضمن حزمة التشريعات الطبيعية، والنظام الثاني القانوني أيضا هو النظام الاستثنائي(قانون الطوارئ) والذي يبيح للحاكم العسكري( رئيس الجمهورية) متى أعلنت حالة الطوارئ أن يخرج على النظام القانوني الطبيعي في حالات محددة وفى جرائم بعينها ويتضمن هذا النظام – نظام الطوارئ – سلطات واسعة ومريحة للسلطة، منها إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية واتخاذ إجراءات ضد الإفراد مثل الاعتقال الإداري وغيرها من الصلاحيات.

وعلى الرغم من أن القانون هو الذي يحدد أنواع الجرائم التي تدخل في أي من النظامين إلا أن السلطة لها في النهاية صلاحيات واسعة[2] تتيح لها أن تحيل قضية مثل قضية "تفجيرات طابا " عام 2004 إلى محكمة جنايات أمن الدولة طوارئ بينما تحيل قضية مقتل "سوزان تميم"2010 لمحكمة جنايات القاهرة !! أو قضية مقتل وتعذيب الشاب "خالد سعيد" لمحكمة جنايات الإسكندرية، وهو ما يعنى أن الدولة تتحكم في استخدام الآلية التي تتناسب مع سياساتها.

إشكاليات نظام العدالة الحالي

رغم امتلاك مصر لتاريخ قانوني وقضائي عريق إلا أن هذا النظام الحالي للعدالة وإجراءاته لا يتناسب مع تطبيق المحاسبة والعدالة والإنصاف للضحايا، وقبل ذلك وضع الأساس لدولة القانون والكرامة الإنسانية، وذلك لعدة أسباب أهمها.

التعامل مع قضايا محاسبة النظام البائد على أنها قضايا فردية

إن نظام العدالة الحالي يتعامل مع حالات الخروج على القانون للأفراد من النظام البائد بشكل فردي دون النظر إلى منهجية الانتهاكات لكرامة المصريين طوال مدة تقترب من الثلاثة عقود من الزمان.

فعلى سبيل المثال فان إصدار الآلاف من قرارات الاعتقال ضد أعداد كبيرة من المصريين في سيناء لعدة سنوات ماضية وما صاحبه من التعذيب على يد الأجهزة الأمنية هي انتهاكات ممنهجة ولها سند قانوني لانتهاك كرامة المواطنين المصريين في سيناء لا يستطيع نظام العدالة الحالي استيعابها وتحقيق العدالة والإنصاف لهؤلاء الضحايا.

ومن ثم فن التعامل مع قضايا محاسبة النظام البائد على أنها قضايا فردية ودون وضعها في إطارها الصحيح باعتبارها جزء من العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر قبل الثورة هو أمر يضر ويخل بانتقال مصر لدولة القانون من زاوية ومن زاوية أخري لا يحقق العدالة والإنصاف لجميع الضحايا.

تورط بعض أجهزة العدالة في انتهاكات كرامه المصريين

هي أحد أهم أسباب فقد الثقة في العدالة بشكلها الحالي، فعلى سبيل المثال فأجهزة التحقيق وعلى رأسها جهاز النيابة العامة متورط بشكل رئيسي في انتهاكات حقوق الإنسان وكرامة المواطنين المصريين من خلال تستره على مجرمي النظام البائد وذلك سواء بتجاهل الآلاف من البلاغات التي قدمها المواطنون أو المنظمات الحقوقية بشأن انتهاكات لكرامة المواطنين ( مثال بلاغات لوقائع التعذيب) ،أو عن طريق تعمد توجيه التحقيقات بشكل يبرئ المتورطين في تلك الجرائم أمام المحاكم ( مثال قضية عبارة السلام عام 1998 ).

ومن ثم فان جهات التحقيق في نظام العدالة الحالي غير مؤهله للتحقيق في جرائم نظام ورموزه طالما استخدمها للتستر على جرائمه أو لتصفيه معارضيه، وهو الأمر الذي لكونها كانت تستخدم للتستر على جرائم النظام السابق .

العدالة الثورية طريقنا للعدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي

إن مهمة الانتقال من دولة تنتهك كرامة مواطنيها بشكل منجي ومنظم وباستخدام القانون، إلى دولة تحترم القانون والكرامة الإنسانية ، هي مهمة بالغه التعقيد، ولضمان نجاحها يجب أن نضمن مشاركة الشعب في صناعة التحول الديمقراطي، ومن ثم فهي مرحلة لا تجوز فيها الوكالة أو التفويض وتكون الرقابة وأحيانا الاحتجاج والتظاهر من واجبات تلك المرحلة ، ولعل تظاهرات المصريين واحتجاجاتهم وغضبهم هو ما اجبر القائمين على حكم البلاد على إحالة الرئيس المخلوع "مبارك" للتحقيق وبعدها المحاكمة، فمشاركة الشعب في عملية التحول الديمقراطي تصنع الإرادة السياسية للقيام بهذه العملي

كما أن ضمان وجود تحول ديمقراطي حقيقي وعدالة انتقالية فى مصر مرهون أيضا كما هو معلوم بإحداث قطيعة مع النظام البائد وتحقيق أهداف الثورة في نفس الوقت وهو ما يمكن أن تحققه العدالة الثورية التي تؤسس لسلطة الشعب ودولة القانون.

كيف نبني عدالة ثورة 25 يناير ؟

إن توافر نوعين من الإجراءات أولها : تفعيل بعض الآليات القانونية في القانون المصري مثل نظام قاضي التحقيق والتوسع فيه و الثاني هو وضع بعض التشريعات والقوانين الخاصة لتأسيس بعض الهيئات والمحاكم الخاصة هو الشكل المبدئي لتأسيس نظام عدالة وسطي وذلك على النحو التالي:

أولاً: تشكيل هيئة للمحاسبة والعدالة ( الشكاوي)

تختص تلك الهيئة بتلقي البلاغات والشكاوي المتعلقة بالنظام السياسي السابق منذ عام 1981 وحتى الآن سواء المتعلقة بجرائم نهب أموال الشعب أو جرائم التعذيب أو القتل خارج إطار القانون، والمعتقلين وغيرها من الجرائم سواء الاقتصادية أو الجنائية، على أن تقوم تلك الهيئة بإعداد ملفات لمجرمي النظام وفقا للأصول القانونية الإجرائية المتبعة وتسترشد في عملها باتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان الدولية وبالاستعانة بمنظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية المعنية، على أن تنتهي مهمة هذه الهيئة بمحاكمة مسئولي النظام الحاكم السياسيين والتنفيذيين لمحاكمة تتوافر فيها ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، بما يضمن أيضا عدم إفلات مسئولي النظام البائد وعلى رأسهم مبارك من الإفلات من العقاب.

تتشكل هذه الهيئة بمرسوم الذي يشمل تشكيلها وأعضائها وطريقة عملها وطرق الطعن على قراراتها ،و تختص تلك الهيئة بتلقي الشكاوي والبلاغات من المواطنين وتتكون من قضاة حاليين وسابقين وبعض الشخصيات العامة محل التوافق المجتمعي بشرط ألا يكونوا قد تولوا أي مناصب تنفيذية في النظام البائد، على أن تقوم تلك الهيئة بإعلان نتائج التحقيقات على الرأي العام، ويعين وزير العدل قضاة تحقيق لإحالة المتهمين في هذه الجرائم لمحاكمات عاجلة، وفقا لنص المادة 65 من قانون الإجراءات الجنائية[3]

على أن يكون لهذه الهيئة مقار في العاصمة والمحافظات ولديها وسائل اتصالات معلومة ومعلن عنها.

وتضمن الهيئة نظاماً آمنا لحماية الشهود والمبلغين والضحايا والامتناع عن الإفصاح عن هويتهم إلا بالطرق القانونية

تعريف ضحايا النظام البائد : . [4]

يقصد بمصطلح "الضحايا" الأشخاص الذين أصيبوا بضرر فردي أو جماعي ، بما في ذلك الضرر البدنيأوالمعاناة النفسية أو الخسارة الاقتصادية، أو الحرمان بدرجة كبيرة من التمتع بحقوقهم الأساسية، عن طريق أفعال أو حالات إهمال غير مجرمة حتى الآن في القوانين ا الجنائية الوطنية، ولكنها تشكل انتهاكات للمعايير الدولية المعترف بها والمتعلقة باحترام حقوق الإنسان.

ويمكن اعتبار شخص ما ضحية ، بصرف النظر عما إذا كان مرتكب الفعل قد عرف أو قبض عليه أو تمت مقاضاته من قبل أو أدين، وبصرف النظر عن العلاقة الأسرية بينه وبين الضحية. ويشمل مصطلح "الضحية" أيضا، ، العائلة المباشرة للضحية الأصلية أو معاليها المباشرين والأشخاص الذين أصيبوا بضرر من جراء التدخل لمساعدة الضحايا في محنتهم أو لمنع الإيذاء.

ثانيا:تشكيل هيئة لتعويض الشهداء والمصابين وضحايا من النظام البائد

تتولي هذه الهيئة حصر المستحقين للتعويضات سواء من الشهداء والمصابين والمضارين أثناء ثورة 25 يناير من أعمال نهب وسلب وعنف قامت به ميلشيات النظام البائد، كما يشمل عمل هذه الهيئة المضارين من جرائم النظام طوال العقود الثلاثة الماضية سواء من المعتقلين أو غيرهم من المضارين، على أن تؤول جميع أموال الغرامات والمصادرات التي تحكم بها المحاكم المختلفة ضد رموز النظام السابق لهذه الهيئة لتقوم من خلالها بصرف التعويضات وفقا لنظام معلن وشفاف وواضح للرأي العام.

وتعتمد تلك الهيئة على ثلاث مبادئ وهي التعويض ورد الحق والمساعدة [5]وذلك على النحو التالي:

التعويض

في حال تعذر الحصول على تعويض مالي كامل من المجرم او من اي مصدر اخر ذو صلة به ، على الدولة أن تقدم تعويضا ماليا إلى كل من : (أ) الضحايا الذين أصيبوا بإصابات جسدية بالغة أو باعتلال الصحة البدنية أو العقلية نتيجة لجرائم خطيرة، (ب) أسر الأشخاص المتوفين أو الذين أصيبوا بعج بدني نتيجة للإيذاء، خاصة من كانوا يعتمدون على هؤلاء الأشخاص في إعالتهم على حياتهم اليومية .

رد الحق

ينبغي أن يدفع المجرمون ، تعويضا عادلا للضحايا أو لأسرهم أو لمعاليهم . وينبغي أن يشمل هذا التعويض إعادة الممتلكات ومبلغا لجبر ما وقع من ضرر أو خسارة، ودفع النفقات المتكبدة نتيجة للإيذاء، وتقديم الخدمات ورد الحقوق.

في حالات الإضرار البالغ بالبيئة، ينبغي أن يشتمل رد الحق، بقدر الإمكان، إذا أمر به، على إعادة البيئة إلى ما كانت عليه، وإعادة بناء الهياكل الأساسية واستبدال المرافق المجتمعية ودفع نفقات الاستقرار في مكان آخر حيثما نتج عن الضرر خلع المجتمع المحلى عن مكانه.

عندما يقوم الموظفون العموميون وغيرهم من الوكلاء الذين يتصرفون بصفة رسمية أو شبه رسمية بمخالفة القوانين الجنائية الوطنية، ينبغي أن يحصل الضحايا على تعويض من الدولة التي كان موظفوها أو وكلاؤها مسئولين عن الضرر الواقع. وفى الحالات التي تكون فيها الحكومة التي حدث العمل أو التقصير الاعتدائي بمقتضى سلطتها قد زالت من الوجود، ينبغي للدولة أو الحكومة الخلف أن تقوم برد الحق للضحايا.

المساعدة

ينبغي أن يتلقى الضحايا ما يلزم من مساعدة مادية وطبية ونفسية واجتماعية من خلال الوسائل الحكومية والطوعية والمجتمعية والمحلية.

ينبغي إبلاغ الضحايا بمدى توفر الخدمات الصحية والاجتماعية وغيرها من المساعدات ذات الصلة، وأن يتاح لهم الحصول على هذه الخدمات بسهولة.

ينبغي أن يتلقى موظفو الشرطة والقضاء والصحة والخدمة الاجتماعية وغيرهم من الموظفين المعنيين تدريبا لتوعيتهم باحتياجات الضحايا، ومبادئ توجيهية لضمان تقديم المعونة المناسبة والفورية.

ينبغي لدى تقديم الخدمات أو المساعدة إلى الضحايا إيلاء اهتمام لمن لهم احتياجات خاصة بسبب طبيعة الضرر الذي أصيبوا به.

ثالثا: تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة مسئولي النظام البائد( محكمة جنايات الثورة)

يصدر بإنشائها مرسوم بقانون أو بقرار يحدد اختصاصاها وتشكيلها وموعد انتهائها، وتختص تلك المحكمة بمحاكمة المسئولين في النظام البائد والذين يصدر قرارا بإحالتهم لتلك المحكمة بقرار من قاضي التحقيق في هيئة المحاسبة والعدالة سالفة الذكر، وتشكل تلك المحكمة من القضاة الطبيعيين والذي يصدر قرارا بتعيينهم من المجلس الأعلى للقضاء، على أن تعتمد المحكمة على التشريعات المصرية والمواثيق الدولية وخاصة ما يتعلق بانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم الاختفاء القسري والتعذيب وغيرها من الاتفاقيات الدولية.

على أن ينص في إنشاء المحكمة بوجود درجة استئنافية لتلك المحكمة يتشكل من قضاة يصدر بتشكيلهم قرارا من المجلس الأعلى للقضاء.

وتعتمد المحكمة على القانون العام قانون العقوبات المصري أو القوانين الخاصة الطبيعية وكذلك على المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة في حالة خلو القانون المصري وعلى الأخص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والتي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 25 الدورة الخامسة والخمسون المؤرخ في 15 تشرين الثاني/نوفمبر2000 والي صدقت عليها مصر عام 2004 .

وتلتزم المحكمة بمجموعة من الإجراءات سواء بالنسبة للضحايا أو المتهمين في مرحلة المحاكمة:

الإجراءات الواجب إتباعها لتمكين الضحايا من العدالة والمعاملة المنصفة[6]

ينبغي تسهيل استجابة الإجراءات القضائية والإدارية لاحتياجات الضحايا بإتباع ما يلي: (أ) تعريف الضحايا بدورهم وبنطاق الإجراءات وتوقيتها وسيرها، وبالطريقة التي يبت بها في قضاياهم، ولا سيما حيث كان الأمر يتعلق بجرائم خطيرة وحيثما طلبوا هذه المعلومات، (ب) إتاحة الفرصة لعرض وجهات نظر الضحايا وأوجه قلقهم وأخذها في الاعتبار في المراحل المناسبة من الإجراءات القضائية، حيثما تكون مصالحهم عرضة للتأثر وذلك دون إجحاف بالمتهمين وبما يتمشى ونظام القضاء الجنائي الوطني ذي الصلة، (ج) توفير المساعدة المناسبة للضحايا في جميع مراحل الإجراءات القانونية، (د) اتخاذ تدابير ترمى إلى الإقلال من إزعاج الضحايا إلى أدنى حد وحماية خصوصياتهم، عند الاقتضاء، وضمان سلامتهم فضلا عن سلامة أسرهم والشهود المتقدمين لصالحهم من التخويف والانتقام، (هـ) تجنب التأخير الذي لا لزوم له في البت في القضايا وتنفيذ الأوامر أو الأحكام التي تقضى بمنح تعويضات للضحايا.

الإجراءات الواجب إتباعها للمتهمين من أذناب النظام البائد

يتمتع المتهمين والمحالين للمحاكمة والمحكوم عليهم بالمعاملة الإنسانية التي تحفظ كرامتهم وتحميهم من التعذيب أو انتزاع الاعتراف كما يتمتع هؤلاء الأشخاص بضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة والمنصوص عليها في القوانين المصرية وكذلك في الاتفاقيات والإعلانات الدولية ذات الصلة ولهم على وجه الخصوص مراعاة الضمانات الآتية[7]:

  • لا يتم أي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن ولا يتخذ أي تدبير يمس حقوق الإنسان التي يتمتع بها أي شخص يتعرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن إلا إذا كان ذلك بأمر من سلطة قضائية أو سلطة أخرى أو كان خاضعا لرقابتها الفعلية.
  • لا يجوز إخضاع أي شخص يتعرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الغير إنسانية أو المهينة. ولا يجوز الاحتجاج بأي ظرف كمبرر للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الغير إنسانية أو المهينة
  • يحق للشخص المحتجز أو المسجون أو لمحاميه تقديم طلب أو شكوى بشأن معاملته، ولا سيما في حالة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو الغير إنسانية أو المهينة. إلى السلطات المسئولة عن إدارة مكان الاحتجاز وإلى السلطات الأعلى، وعند الاقتضاء إلى السلطات المناسبة المنوط بها صلاحيات المراجعة أو الإنصاف.
  • في الحالات التي لا يكون فيها الشخص المحتجز أو المسجون أو محاميه قادر على ممارسة حقوقه المقررة في الفقرة 1، يجوز لأحد أفراد أسرة الشخص المحتجز أو المسجون أو لأي شخص آخر على معرفة بالقضية أن يمارس هذه الحقوق.
  • يحتفظ بسرية الطلب أو الشكوى إذا طلب الشاكي ذلك.ويبت على وجه السرعة في كل طلب أو شكوى ويرد عليه أو عليها دون تأخير لا مبرر له. وفى حالة رفض الطلب أو الشكوى أو وقوع تأخير مفرط، يحق للشاكي عرض ذلك على سلطة قضائية أو سلطة أخرى. ولا يتعرض المحتجز أو المسجون أو أي شاك بموجب الفقرة 1 للضرر نتيجة لتقديمه طلبا أو شكوى.

رابعا: المبادئ الحاكمة لهذه الهيئات والمحاكم

  • لا يجوز لأي شخص كان يتولي منصب تنفيذي في النظام السابق أن يشترك بأي شكل من الأشكال في هذه عضوية هذه الهيئات أو المحاكم.
  • تعتمد تلك الهيئات والمحاكم على المعايير الدولية للمحاكمات العادلة والمنصفة بما فى ذلك الحق في الدفاع وعلانية المحاكمات والحق في الاستئناف وغيرها من ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة.
  • تعمل تلك الهيئات والمحاكم على تحقيق العدالة والمحاسبة للفترة من عام 1981 وحتى 2011 على أن تكون الأولوية للجرائم الأحدث على أن يتم تقسيم تلك الفترة زمنياً وكذلك وفقا للملفات ووفقا لضحايا النظام البائد.
  • يجوز لتلك الهيئات إصدار قرارات بوقف بعض المتهمين عن العمل أو اتخاذ إجراءات احترازية مثل العزل الوظيفي لضمان عدم التأثير في الشهود أو العبث بالأدلة على أن يتاح للمتهمين أو الصادر بحقه هذه الإجراءات الطعن عليها.
  • يتم إحالة جميع القضايا والتحقيقات المنظورة أمام القضاء أو النيابة العامة أو أي جهة أخري لتلك الهيئات والمحاكم ولها أن تضيف بعض التهم أو تعيد التحقيق في بعض الأمور التي تم تجاهلها في التحقيقات السابقة.

خامساً: الأطراف المختلفة والعدالة الثورية

لتحقيق العدالة الثورية وتأسيس سلطة الشعب ودولة القانون والانتقال لتحول ديمقراطي حقيقي يجب أن تتعاون جميع الأطراف لإنجاز هذه المهمة وهم :.

المجلس العسكري/ السلطة التنفيذية: عليه عدم التدخل في عمل تلك الهيئات وضمان استقلالها الإداري والمالي، وضمان تنفيذ القرارات الصادرة عن تلك الهيئات دون التدخل فيها، وإصدار القرارات أو المراسيم اللازمة لضمان أداء دورها باستقلال وبحياديه، كما عليه أن يتيح لتلك الهيئات والمحاكم كافة المعلومات والوثائق المتعلقة بالانتهاكات سواء الموجودة في أجهزة الدولة المختلفة وخصوصاً الأجهزة الأمنية والرقابية أو المعلومات التي يحتفظ بها الموظفين والمسئولين بالدولة.

المجتمع المدني: عليه دورين الأول مراقبة تلك الهيئات في عملها ومدى التزامها بإنصاف حقوق الضحايا وتحقيق العدالة وضمان تطبيق معايير المحاكمة العادلة والمنصفة، والدور الثاني هو توعية وتدريب أعضاء الهيئات المختلفة خاصة القضائية على دليل للمعايير الخاصة بإنصاف حقوق الضحايا وضمانات المحاكمات العادلة والمنصفة، ومحاولة تنظيم الضحايا وضمان وصول أصواتهم لتلك الهيئات ومساعدتهم للوصول للعدالة والإنصاف.

الجهاز القضائي والأمنى: عليهم التعاون مع الهيئات والمحاكم الخاصة بمحاكمة رموز ومسئولي النظام البائد، كما أن عليهم اتاحه كافة البيانات والمعلومات والقضايا الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان في الفترة الماضية.

وسائل الإعلام على الإعلام أن يمكن المجتمع من الرقابة على هذه الهيئات وقدرتها على القيام بدورها، كما أن عليه أيضا الالتزام بحقوق الضحايا ومعاناتهم ومساعدتهم في الحصول على حقوقهم والوصول إلى تلك الهيئات، كما أن عليه أيضا الالتزام بحقوق وضمانات الأشخاص الخاضعين للتحقيقات أو المحاكمة وفقا للأصول والقواعد المتعلقة بالمحاكمة العادلة والمنصفة.

إن تحقيق العدالة الثورية هي خطوة أولى لتأسيس نظام عدالة يحمي بشكل منهجي الثورة المصرية وأهدافها الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، إلا أن الأمر يتطلب أيضا تغيير منهجي وجذري لأجهزة القضاء والنيابة العامة والشرطة باعتبارها تشكل مع بعض الفئات جهاز العدالة والذي من المفترض أن يكون حارساً للعدالة.

ان تحقيق العدالة الثورية بما في ذلك ملاحقة جميع رموز وأركان النظام البائد و إنصاف الضحايا وتعويضهم هو أمر من المتوقع أن يستمر لوقت طويل ، ولكنة أمر ضروري وحتمي أن نبدأ به الآن بالتوازي مع الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر ، ومن ثم فعلى جميع الفاعلين في المجتمع المصري من قوي سياسية ومجتمع مدني والقائمين على إدارة البلاد مثلما يقومون بوضع دستور جديد للبلاد والانتخابات التشريعية والرئاسية وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية أن يضعوا تحقيق العدالة الثورية نصب أعينهم.

يوليو 2011

أحمد راغب - محام ومدير مركز هشا م مبارك للقانون

تنويه تم نشر هذه الورقة كامله على موقع جدلية على هذا الرابط


[1] المرسوم بقانون رقم 344 لسنة 1952

[2] يحق للحاكم العسكري إصدار أوامر وقرارات بإحالة بعض الجرائم لمحاكم أمن دولة طوارئ مثل جريمة التجمهر

[3] المادة – 65-

لوزير العدل أن يطلب من محكمة الاستئناف ندب مستشار لتحقيق جريمة معينة أو جرائم من نوع معين، ويكون الندب بقرار من الجمعية العامة، وفي هذه الحالة يكون المستشار المندوب هو المختص دون غيره بإجراء التحقيق من وقت مباشرته العمل.

[4] مأخوذ من تعريف الضحايا فى إعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة،والذى اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/ 34 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1985

[5] وهي المبادئ الواردة فى إعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة،والذى اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/ 34 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1985

[6] مأخوذ من مساعدة الضحايا فى الوصول للعدالة والمعاملة المنصفة فى إعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة،والذى اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/ 34 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1985

[7] مأخوذة من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن

اعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 43/173 المؤرخ في 9 كانون الأول/ديسمبر 1988

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق